ابن حزم
719
الاحكام
لأنه علم ووقتها قائم ، إذ لم يصل تلك الصلاة كما أمر ، ففرض عليه أن يصليها كما أمر . وأما بعد الوقت فلا ، لأنه لا يصلي صلاة إلا في وقتها حاشا النائم والناسي والسكران ، فإنهم خصوا بالنص فيهم ، وكالدية وعتق الكفارة في قتل الخطأ ، فهذا مستثنى بالنص من سائر ما لم يقصده المرء . واعلم أن خصومنا يتناقضون في كل ما ذكرنا تناقضا لا يرجعون فيه إلى أصل ، لكن مرة يلزمونه ومرة لا يلزمونه دون برهان من الله تعالى في كل ذلك . ومما يؤيد ما قلنا ما حدثنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا أحمد بن فتح ، ثنا عبد الوهاب بن عيسى ، ثنا أحمد بن محمد ، ثنا أحمد بن علي ، ثنا مسلم ، ثنا محمد بن المثنى ، ثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة قال : سمعت أبا وائل . - هو شقيق بن سلمة - يقول : ثنا أبو موسى الأشعري ، أن رجلا أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، الرجل يقاتل للمغنم ، والرجل يقاتل للذكر ، والرجل يقاتل ليرى مكانه ، فمن في سبيل الله ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله . وقد روى الأعمش هذا الحديث فذكر فيه : الذي يقاتل شجاعة وحمية وغضبا ورياء وأنه صلى الله عليه وسلم لم يجعل في سبيل الله إلا من قاتل لتكون كلمة الله عز وجل العليا ، فلو أجزأ عمل بغير نية لأجزأ الجهاد الذي هو أفضل الأعمال بعد الايمان ، ولكن لا سبيل إلى أن يجزئ عمل بغير نية . ومن هذا الباب أيضا المكره على الكفر ، فإن عبد بلسانه ولم يعبد بقلبه فلم يخرج بذلك عن الايمان ، قال الله تعالى : * ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ) * فإنما راعى تعالى عمل القلب فقط ، وقد بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم إذ سئل عمن أكل ناسيا ، فأخبر عليه السلام أنه لم ينتقض صومه بذلك ، ولا شك في أن هذا الصائم عمد الاكل ، ولكنه كان ذاكرا لصيامه ، فصح ما قلنا نصا ، وبالله تعالى التوفيق . وقال تعالى : * ( لا تكلف إلا نفسك ) * احتج بهذا قوم في إبطال أن يحج أحد عن غيره أو يصلي أحد عن غيره أو يصوم أحد عن غيره ، وقد أخطؤوا في ذلك خطأ فاحشا ، وليس في هذه الآية معارضة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالحج عن الشيخ الكبير ، وبالصيام عن الولي الميت ، وبقضاء النذر عن الميت ، لان كل ما ذكرنا فالحي المؤدي هو المكلف ذلك في نفسه ، وهي شريعة ألزمه الله تعالى